محمد بن زكريا الرازي
422
الحاوي في الطب
ضد المغربية ، والبلدان الموضوعة قبالة مغرب الشمس وهو من حد مطلع الحمل إلى حدّ مطلع الجدي والسرطان وأصدقها طبعا . وأعدلها في هذا الموضع على سمت الميزان وإنما نقول هذا وما مال منها إلى ناحية السرطان والجدي فيدخل بقدر ذلك في طبائع تلك البلدان ، فالموضوعة سمت مغرب الشمس هي موضوعة على هذا الحد إلا أنها مكشوفة للمغرب مستورة من المشرق وهي ضد المشرقية ، والشمالية ضد الجنوبية ، فأما المشرقية فتوافق الشمالية في أشياء والجنوبية في أشياء لأنها بينهما ، وكذا المغربية ، وتخصها في نفسها أشياء أخر ؛ والمشرقية هي المدينة الثالثة فهذا أصل ما يحتاج إليه . فأما أبقراط فيضع ذلك بحسب الفلك الخارج المركز للشمس ، فالمدينة الأولى المسامتة لخط الاستواء والثانية المسامتة للقطب الشمالي ، وأما الأخرى فلا يمكنه أن يجعل من مسامتة رؤوسهم لما تسامت اختلافا في الطبع ، وذلك أن البلدان تختلف طبائعها من أجل العرض اختلافا كثيرا جدا حتى تتضاد ولا تختلف من أجل الطول البتة ، فالأجود أن تفهم أولا ما قلت أولا بالكلية ثم ما قال . قال أبقراط : كل مدينة موضوعة بإزاء مشرق الشمس فإنها أصح لأن الحرارة والبرودة فيها أقل . لي : أفهم هاهنا على قوله لأن البلدان التي تحت خط الاستواء شديدة الحرارة فيجعل حد غاية الحر فيها من القطب الجنوبي . وأما حد غاية البرد فإلى حيث يكثر عرضها في الشمال ما أمكن ، والذي بين هذه في الوسط إذا كانوا مكشوفين للمشرق ، وهم أهل البلد الذي نريده الآن ، وليس يكون في هذه البلدان حر شديد ولا برد شديد . واعلم أن الحر والبرد علته الأولى اختلاف العرض وأما الأخرى فالارتفاع والانخفاض أقواها ثم الاستتار والانكشاف ، والجبال المحرقة يشتد حماها بالشمس ، أو مواضع ثلوج كثيرة تهب عليها دائما رياح تجيء إلى بلد فإنها تبرده ، أو رياح أضداد هذه ، وسائر ذلك مما سنذكره . قال أبقراط : أمراضهم تكون أقل وأضعف ومياههم نميرة لطيفة صافية ، وذلك أن انكشافهم لمشرق الشمس مما لا يدع الهواء أن يغلظ ، وذلك لسرعة مبادرة الطلوع عليهم ، فإن الهواء إنما يغلظ في الأسحار لفقد الحرارة ؛ فإذا أسرع طلوع الشمس على البلدان فرق ذلك الهواء قبل أن يتلبد ويمازج الماء وغيره وبالضد . قال : وكل مدينة على سمت المغرب تكون رطوبة هوائها باقية فيها كثيرا . قال : وبشرة وجوه هؤلاء حسنة لينة وألوانهم نيرة مضيئة إن لم يعرض دونه عارض ؛ وأصوات رجالهم صافية حديدة ، ولا يصلعون سريعا ولا يحتدبون وهي أصح المدن ماء وهواء ، والعشب والنبات في هذه أصح من غيرها وأهلها أفضل أبدانا وأنفسا . قال : وهذه المدينة في خاصتها تشبه فصل الربيع في اعتداله .